ابن قيم الجوزية

399

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

و « السراب » ما يرى في الفلاة المنبسطة من ضوء الشمس وقت الظهيرة ، يسرب على وجه الأرض ، كأنه ماء يجرى . و « القيعة » والقاع : هو المنبسط من الأرض الذي لا جبل فيه ولا واد . فشبه علوم من لم يأخذ علومه من الوحي وأعماله : بسراب يراه المسافر في شدة الحر فيؤمه ، فيخيب ظنه ، ويجده نارا تتلظى . فهكذا علوم أهل الباطل وأعمالهم إذا حشر الناس ، واشتد بهم العطش بدت لهم كالسراب فيحسبونه ماء ، وإذا أتوه وجدوا اللّه عنده ، فأخذتهم زبانية العذاب فنقلوهم إلى نار الجحيم : 47 : 15 وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ وذلك الماء الذي سقوه هو تلك العلوم التي لا تنفع والأعمال التي كانت لغير اللّه تعالى صيرها اللّه تعالى حميما ، وسقاهم إياه ، كما أن طعامهم 88 : 6 ، 7 مِنْ ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ وهو تلك العلوم والأعمال الباطلة ، التي كانت في الدنيا كذلك لا تسمن ولا تغنى من جوع . وهؤلاء هم الذين قال اللّه عنهم 18 : 103 ، 104 قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا ؟ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً وهم الذين عنى اللّه بقوله : 25 : 22 وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً . وهم الذين عنى بقوله تعالى : 2 : 167 كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ . القسم الثاني من هذا الصنف : أصحاب الظلمات . وهم المنغمسون في الجهل ، بحيث قد أحاطت بهم جاهليتهم من كل وجه ، وهم لذلك بمنزلة الأنعام ، بل هم أضل سبيلا . فهؤلاء أعمالهم التي يعملونها على غير بصيرة ، بل بمجرد التقليد ،